الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
174
الأخلاق في القرآن
فالكلام عن المتضرّر الأوّل في المعركة ، وهو الذي يصرف عمره وفكره وطاقته في الطّريق الغلط ، وهو يحسب أنّه يُحسن صُنعاً ، وهو فرحٌ ومسرورٌ ويفتخر بذلك . فلما ذا يُبتلى الإنسان بهذه المصائب ؟ ، ليس ذلك إلّا لأنّه تعوّد على القبائح ، وإتّباع هوى النّفس ، والأنانية والعجب ، فتجعل الحُجب على قلبه وعقله ، فلا يرى الحقيقة واضحةً صائبةً كما هي . والنتيجة لهذا الأمر ، جاءت في الآية التي بعدها فقال تعالى : « أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » . وفسرت الروايات الإسلاميّة ، هذه الآية بتفسيرٍ وتعبيراتٍ متعددةٍ ، وكلٌّ منها هو في الحقيقة مصداقٌ للآية ، فبعضها فسّرت الآية بالمنكرين لولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، وبعضها فسّرت الآية بالرّهبان المسيحيين ، فهم الذين يتركون الدنيا بالكامل ولذائذها ، وهم في الحقيقة مخطئون ، ويتحرّكون في دائرة الفكر والعمل في الطّريق المنحرف . والبعض الآخر من الروايات ، ذكرت في تفسيرها أنّهم أهل البدع من المسلمين ؛ وأخرى فسّروها ، بخوارج النّهروان ، وقال آخرون : أنّها نزلت في أهل البدع من اليهود والنّصارى ، فكلّ هؤلاء الأشخاص على خطأ وأعمالهم مليئةٌ بالإجرام والظّلم ، ولكنهم كانوا يحسبون أنّهم على صواب . وتجدر الإشارة إلى أنّ ، جملة : « حبطت أعمالهم » ، التي جاءت في ذيل الآية ، هي من مادة « حبط ، » ومن معانيها المعروفة هو البعير أو حيوان آخر ، يأكل العلف بشراهةٍ ، حتى العلف السّام والضار بحيث يؤدي إلى إنتفاخ بطنه ، وقد يؤدّي به في بعض الأحيان للموت ، فالبعض يتصور أنّ ذلك هو دليل على قوته وقدرته ، ولكنّ الحقيقة هي غير ذلك ، بل هو المرض بعينه ، أو مقدمةٌ لموته ، ولكن الجهّال يعتبرونها من القوّة والقدرة . وقسمٌ من النّاس يبتلون بمثل هذه العاقبة ، فيكون كلّ سعيهم وقوتهم لهلاك أنفسهم ، وهم يتصورون أنّهم سلكوا طريق السّعادة والرفاه .